محمد علي الحسن

172

المنار في علوم القرآن

شكل المصحف وإعجامه الشكل : ( هو وضع العلامات التي تدل على ما يعرض للحرف من حركة أو سكون ) . أما الإعجام : ( فخاص ببيان ذات الحرف ، وتمييزه عن غيره ، ويكون بالنقط كالتاء عليها نقطتان ، والياء تحتها نقطتان ونحو ذلك ) . وجدير بالذكر أن القرآن قد كتب خاليا من الشكل والإعجام ، وقد كتبه عثمان بن عفان كذلك ، ولم يخش عليه من الالتباس ؛ لأن العرب يدركون القرآن بسليقتهم ، وكان تلقيهم للقرآن عن طريق الرواية والسماع . وطبيعي أن مخالطة العرب لغيرهم قد أفسدت هذه السليقة السليمة ، وبدأ يظهر اللحن رويدا رويدا ، وينتشر شيئا فشيئا ، حتى بدا لزياد بن أبيه « 1 » والي البصرة أن يضع حدّا لهذه الظاهرة ، بعد أن أشار عليه أبو الأسود الدؤلي بعد فزعه عندما سمع رجلا يقرأ قوله تعالى : . . أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ . . [ التوبة : 3 ] . بجر اللام في « رسوله » بدل رفعها أو نصبها ، فعهد زياد لأبي الأسود أن يقوم بهذه المهمة الجليلة ، والتي كانت الحاجة إليها أمس وأقوى من الحاجة إلى الإعجام ، وذلك أن الخطأ في حركات الحروف أضعاف الخطأ في إعجامها ، وكان الشكل في البداية بالنقط ، ولمّا أريد وضع الإعجام بالنقط ، أصبح الأمر ملتبسا في التمييز بين الشكل والإعجام ، فعمدوا إلى تغيير لون النقط ، ثم جعل الشكل بالطريقة المعروفة لنا الآن ، وبقي الإعجام هو المختص بالنقط ، وقيل : إن الذي أمر بالإعجام هو الحجاج بن يوسف . وعلى هذا فالآمر بالشكل والآمر بالإعجام هما واليا العراق ، وهم ثقفيان من ثقيف التي طالما استعملهم الأمويون في حكم العراق بالذات ، لما عرفوا من شدّتهم في جاهليتهم وإسلامهم ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) وقيل : الحسن البصري ويحيى بن يعمر وقيل : نصر بن عاصم الليثي وهؤلاء جميعا من التابعين .